توجهات جديدة في تعليم العربية ومعالجة قضاياها

بقلم: د. جعفر نايف عبابنة ٩ يونيو ٢٠٢٣

توجهات جديدة في تعليم العربية ومعالجة قضاياها

جابهت العربية في العصر الحديث تحديات كثيرة، بعضها يتصل بمزاحمة اللغات الأجنبية لها ، وزحف العاميات عليها ، في مجالات التعليم والحياة العامة. ولكن أهم التحديات في نظري هي تلك المتصلة بطرائق البحث فيها وتعليمها، لأنها لم تثبت جدارة عظيمة، وظلت المشكلة اللغوية قائمة دون حل.

وقد ساد تعليم النحو حتى يومنا هذا اتجاهان مُضِرّان: اتجاه محافظ خانق للغة ومانع لتطورها الطبيعي، ويريد حصرها في عصور الاحتجاج، و اتجاه تيسيري تبسيطي مخلّ بعض الشيء؛ إذ نشأت معظم محاولات التجديد في أحضان المنهج السلوكي الذي يرى أن اللغة سلوك قابل للتعديل، واتسمت بالشكلية إلى حد كبير، ولم تَغُص في أعماق النحو وكنهه.

وبالغ بعضهم في التسطيح والشكلية، حتى صارت الوحدات النحوية عندهم كأنها قطع منفصل بعضها عن بعض. بل إن بعض نماذج التجديد والتيسير أخرجت النحو العربي عن أصل نوعه. لذلك لم يستطع هذا الاتجاه خلق مهارة نحوية حقيقية، وظل الضعف في النحو مُتَفشياً.

وأرى أن الأمر يقتضي هجر المذهب السلوكي، والتحول إلى المذهب الإدراكي الذي يحفل بالمعنى، ويرى أن كل عملية لغوية تصدر عن وعي وإدراك لا عن تكرار بَبْغاوي كالذي زعمه أصحاب المنهج السلوكي.

والمذهب الإدراكي يواكب العبارة منذ كونها فكرة في الدماغ إلى أن تتحقق حسيّاً في هيئة كلام.

فلنجرب هذا المذهب الإدراكي الذي لا يقفُ عند السطح، بل يغوص في أعماق النحو ويتغلغل إلى جوهره ومحاوره الأصلية المتعالقة، فَيَخْلُقُ نوعاً من السليقة اللغوية في دخائلنا.

ويمكن أن نبني، في إطار هذا المنهج، نماذج متدرجة في صعوبتها، على وفق المراحل التعليمية المختلفة.

وعلينا في النحو العناية بالأدوات والتراكيب والأساليب، وعدم الاقتصار على المرفوعات والمنصوبات والمجرورات والمجزومات، لأن الإعراب جزء من النظام لا النظام كله.

وعلينا العناية بالجانب العملي الإنتاجي، أي بالتطبيق وتكثيف التدريب والممارسة، والابتعاد قدر الإمكان عن الجدال النظري البحت الذي لا يُسهم في بناء سليقة لغوية.

وربما كان علينا، في مستوى تعليمي متقدم، الانتقال من النحو المرتكز على الجملة، إلى نحو الفقرة والنص، والاهتمام بالروابط الأسلوبية، ومهارات الحجاج، والتدرج السلس في تطوير الأفكار والموضوعات.

وفي علم الصرف سادت بعض الأفكار التقليدية غير العلمية في تفسير السلوكات الصرفية المرتبطة بالتغيرات الصوتية.

من ذلك القول بأن حروف المد ساكنة، وهي في الحقيقة حركات طويلة خالصة؛ والقول بأنها مسبوقة بحركات قصيرة من جنسها، ومعنى ذلك القول بتوالي حركتين في المقطع الواحد، وهو ما لا تجيزه قوانين التركيب المقطعي العربي التي تقتضي الفصل بين الحركة وأختها بفاصل من صامت أو شبه صامت ( لين)، ولا تسمح إلا بصامت واحد في المقطع الواحد.

وزاد الطين بلة قولهم إن هذه الحركات المتوهَّمة السابقة لحروف المد يمكن حذفها ويمكن نقلها ويمكن بروزها بعد حذفها في مرحلة لاحقة من التحليل الصوتي.

ولم يكونوا يفرقون تفريقاً دقيقاً بين حروف المد وهي ذات طبيعة صائتة، و حروف اللين وهي ذات طبيعة شبه صامتة، وتقوم بوظيفة الصوامت في الكلمة؛ فهي تفتتح المقاطع وتغلقها، وتقبل الحركة والسكون والتضعيف، وتكون من حروف الجذر الأصلية، وذلك مثل الواو في : وَقَفَ ومَوْقِف ولَهْو و لوَّحَ، والياء في يُسر ومَيْسِر وطَيّ وبَيَّنَ، على حين أن الصوائت ومنها حروف المد لا تكون كذلك.

ويتبع ذلك خلطهم بين الألف التي هي فتحة طويلة خالصة، والهمزة التي هي حرف صامت (وقفة حنجرية).

ومن عيوب التناول القديم قولهم بجواز التقاء ساكنين أولهما حرف مد وثانيهما حرف صحيح، كما في قولنا : لم يَقُومْ. وعندهم أن التخلص من التقاء الساكنين يتم بحذف حرف المد. والواقع أن الذي يجري هنا هو تقصير المد (الحركة الطويلة)، إذا لم يكن أمارة على وزن صرفي ما.

ومن عيوب المعالجات الصوتية القديمة قولهم إن حرف المد يمكن أن يدغم في حرف لين كما في ( مَدْعُووٌ) التي تصبح (مَدْعُوٌّ)، على الرغم من اختلاف طبيعتيهما.

ومن العيوب أيضا قولهم بتوهم نزع الحركة، وغير ذلك من الأمور التي أدت إلى غياب التفسير الصوتي الصحيح في مسائل الإعلال والإبدال والإدغام والوقف.

لذا، يجب الأخذ بنتائج علم الأصوات الحديث، للوصول إلى قواعد صوتية عامة في تطبيقها، وبسيطة في صياغتها، وقابلة للدفاع عنها باستنادها إلى معطيات علم الأصوات الحديث. ويجب أن نُدْخِلَ في تفسير العمليات الصرفية الصوتية فكرة المقطع ونوعه وحدوده و شروط تركيبه، والحركات المركبة من صاعدة وهابطة، والتبادل بينها وبين الحركات الطويلة (أي حروف المد).

وفي الأدب والنقد والبلاغة نجد أن الباحثين العرب يُغْرِقُون في المناهج الأدبية والنقدية الحديثة إلى درجة الذوبان فيها، ويبلغون حد الاعتساف في تحليل النصوص. فطريقة التحليل المتبعة حالياً تمزق أوصال النصوص، وتهدر القيم الجمالية والبلاغية، ولا تستفيد مما في البلاغة العربية من عناصر الجمال والدقة المعنوية.

ويستحسن في تحليل النصوص الأدبية والثقافية العامة الانطلاق من الفكرة القائلة إن لكل نص مفتاحاً معيناً يتصل بموضوعه أو بجنسه الأدبي (genre). فما ينطبق على نص ما ربما لا ينطبق على آخر. والطريقة المثلى في هذه الحالة هي الطريقة التوفيقية الانتخابية (eclectic method) التي لا تلتزم حرفياً بطريقة معينة تُخْضِعُ لها النصوص، بل تجمع ما بين طرائقَ عِدَّةٍ تكون صالحة للاستخدام في هذا المقام، من غير اعتساف ولا قهر للنصوص.

ولا ينبغي أن يبلغ بنا الإعجاب بالمناهج الأدبية واللغوية والنقدية الحديثة حد التشكيك في أصالة تراثنا وجدواه؛ وليت أننا نهتدي بها إلى اكتشاف ما في تراثنا من ثراء، وإبراز ما فيه من جماليات، لا أن نهجره بالجملة أو نلوي عنقه ونحمّله فوق طاقته.

وعلينا أن نعي أن تاريخ الأدب ليس سرداً ساذجاً للأدب وأعلامه ونصوصه في عصور العربية التاريخية، بل يجب أن نبين فيه حركة المجتمع وتطوراته والعوامل المؤثرة فيه وفي البيئة الثقافية، وكيف أثرت في موضوعات الشعر وألوانه، وموضوعات النثر وألوانه.

ويجري الحديث كثيراً في هذه الأيام عن حوسبة اللغة، وعلينا أن ندرك أن حوسبة اللغة ليست هدفاً في ذاته، أو مجاراة ساذجة للتقدم التكنولوجي الحاصل في حياتنا المعاصرة، بل يجب أن تكون موجهة لغرض معين ذي فائدة، كتعميق النظر في مقوِّمات العربية، وخدمة أهدافها البحثية والتعليمية، للوصول بها إلى العالمية.

الكلمات المفتاحية: تعليم اللغة العربية، النحو العربي، مناهج اللغة، القضايا اللغوية، الإدراك اللغوي، تجديد النحو، تحليل لغوي، العربية المعاصرة، طرق التدريس، سلوك لغوي

← العودة إلى جميع المقالات