الترجمة الآلية والمعجم الجديد

بقلم: د. جعفر نايف عبابنة ٢٠ مايو ٢٠٢٣

الترجمة الآلية والمعجم الجديد

الحاجة إلى المعجم الجديد

شهدت الترجمة الآلية إخفاقاتٍ كبيرةً، ولم تنجح -حسبما أرى- إلّا في موضوعاتٍ معينة وَوَفْقَ شروطٍ محدَّدة، كأن يكونَ ترتيبُ عناصر الجملة ثابتاً (fixed word order)، ويكون للمفردات المعجمية معنى واحدٌ واضحٌ مألوفٌ، وليست من باب المشترك اللفظي، وألا يكونَ في الكلام تقديمٌ أو تأخيرٌ أو حذفٌ لبعض عناصره.

ومن أسباب قصور الترجمة الآلية اعتمادها في غالب الأحيان على المعجم التقليدي الذي ينقصه الكثير من المعلومات الواجب إيرادها حتى تكسب الترجمة مزيداً من الدقة.

ونتّقدم هنا ببعض المقترحات والأفكار التي قد تبني سليقةً لغويةً لدى الآلة، أو حدساً قوياً، وتسُدُّ بعض التُّغَراتِ في المعجم التقليدي. وهي أفكار لغوية يُراد بها الإسهامُ في حلِّ مشكلاتِ الترجمةِ الآليةِ، ولا دخلَ لها في الأمورِ التِّقَنِيَّةِ الفنّيةِ التي هي من اختصاص مُهَندِسي الإلكترونيات. ومعروف أنه في مجال تكنولوجيا اللغة لا بد من تعاون وثيق بين اللغويين والفَنِّييّن من المختصين في الإلكترونيات.

وقِوامُ هذه المقترحات والأفكار الدعوة إلى معجم جديد يخدم الترجمة الآلية في صورة أفضل، لأنه يلتفت إلى نواحٍ أهملها المعجم التقليديّ.

السمات الدلالية للوحدات المعجمية من حيث علاقة الكلمة بالعالم الخارجي

وأولى هذه النواحي إيراد السمات الدلالية للوحدات المعجمية، وهي نابعة من حقائق الأشياء خارج ذواتنا، أي علاقة الكلمة بالعالم الخارجي. فالأشياء في الطبيعة تنتظم في ثنائيات مثل:

  • حي وجامد

  • حي قادر على الحركة وذو إرادة، وحي غير قادر على الحركة وغير ذي إرادة

  • عاقل وغير عاقل

  • ذكر وأنثى [1].

ويلاحظ هنا أن (ذكر) و(أنثى) جنسان طبيعيان، ولكن (مذكر) و(مؤنث) جنسان نحويان يعودان إلى علاقات المطابقة النحوية. فقد يكون المذكر والمؤنث في اللغة غير عاقلين وليس لهما جنس في الطبيعة.

ومن الثنائيات الأخرى:

  • حسي ومعنوي.

  • ومعدود وغير معدود. [2]

  • وحقيقي ومجازي. ولا يعرف المجاز إلا بالسياق.

ولذلك يجب أن نكثر من إيراد الاستعمالات النموذجية التي يستخدم فيها اللفظ، لتمكين الآلة من التمييز بين الحقيقي والمجازي.

وتظهر فوائد هذه السمات الدلالية في الترجمة.

  • فإذا قلنا: أيقظ الخشب الصخر. وجب أن تأتينا فورا إشارة من الآلة إلى أن معنى هذه الجملة فاسد (أي غير منطقي ولا واقعي)، أو أنه مبالغة في المجاز، أو خيال شاعر. وهذا مهم جداً في ترجمة الشعر الحرّ أو الجديد لما فيه من إغراب؛ فالأفضل أن يترجمه أناس من الأدباء لا أن يترجم آلياً.

  • ولو قلنا: أرضع الأب ابنه. لما جاز، لأن طبيعة الأب لا تسمح بإرضاع الطفل من الصدر. (إلّا إذا أرضعه بقنينة).

  • ولو: أخذنا اسم جنس إفرادياً. مثل (تراب) وهو غير معدود ودلالته على العدد دلالة ضمنية غير مباشرة، لما استطعنا أن نقول في وصفه: تراب عديدٌ، كما نقول: رجال عديدون بل يمكن أن نقول: ترابٌ قليل أو كثير. وهذا ينطبق على أسماء الجنس الإفرادي الأخرى مثل: ملح، سكر، رمل، ماء. فالسمات الدلالية التي يجب أن يرصدها المعجم تفرضُ واقعاً لغوياً خاصاً.

وطبائع الأشياء تحدد الفاعل والمفعول على الرغم من اختلال علامات الإعراب أو خفائها، فلو قلنا: كسر الزجاجُ الحجرَ لكان المعنى فاسداً، ولَفُهِمَ العكسُ تماماً، لأن الحجرَ هو الذي يكسر الزجاجَ. وهذا يكشفُ أن طبائعَ الأشياء خارجَ ذواتنا هي التي تعيِّن المعنى عند اختلال العلامة الإعرابية، وإن بَدَت العباراتُ صحيحةً شكلاً.

ولو قلنا: أكل الكُمَّتْرى موسى، لَفُهِمَ أن الآكلَ هو موسى، والمأكولَ هو الكمّثرى، على الرغم من خفاءِ العلامةِ الإعرابية وتقديم المفعول به على الفاعل.

ومن اللافت للنظر أن المفردة بحدّ ذاتها لا تدل على أنها حقيقةٌ أو مجاز، ولا يُعْرَفُ ذلك إلا بالتراكيب والاستعمالاتِ السياقية. ولذلك يجب أن يُكثِرَ المعجمُ من إيراد العباراتِ والجملِ النموذجيةِ التي يُسْتَخدَمُ فيها اللفظ، لكي يصبح للآلةِ الحدسُ الكافي لتمييز الحقيقة من المجاز. فلو قلنا: بكى الغمامُ، لَفُهِمَ أنه مجاز وأن المقصودَ ليس البكاءَ الحقيقي بل نزولُ المطر. ولو قلنا: أَكَلتِ النارُ الحَطَبَ، لَفُهِمَ أن المقصودَ ليس الأكلَ الحقيقي بل الحرق.

ويمكن في تحليل المعنى إلى عناصره الأساسية (الأولية) أن نعبِّر عن وجود سمة من السمات السابقة وغيرها باستخدام إشارة زائد (+)، وإلى عدم وجودها بإشارة السالب (-).

ونورد فيما يأتي أمثلة على ذلك:

رجل

+ حي

+ إنسان

+ مذكر

+ راشد

امرأة

+ حي

+ إنسان

– مذكر

+ راشد

ولد

+ حي

+ إنسان

+ مذكر

– راشد

بنت

+ حي

+ إنسان

– مذكر

– راشد

أب

+ حي

+ إنسان

+ مذكر

+ راشد

+ مُنتِج

أم

+ حي

+ إنسان

– مذكر

+ راشد

+ مُنتِج

علاقات الألفاظ بعضها ببعض داخل اللغة نفسها

هذا عن ارتباط الألفاظ واللغة في صورة عامة بالعالم الخارجي. ولكن من الناحية الداخلية للغة، نلاحظ أن علاقات الألفاظ بعضها ببعض داخل اللغةِ نَفسِها هي التي تُعَيِّن المعنى المفرداتي الحرفي للكلمة. فاللفظة ترتبط بغيرها من الألفاظ بعلاقاتٍ عدةٍ، منها حقولُ المعنى، فيجب بيانُ حقلِ المعنى الذي تنتمي إليها الكلمة، مثل:

  • أفراد الأسرة

  • أعضاء الجسد

  • البيئة القريبة من الإنسان

  • مراحل النمو

وغير ذلك كثير. والحقولُ الدلالية تشمل الكلمات فقط ولا تشملُ الجملَ. ومنها علاقاتُ الترادفِ التام أو الجزئي، والتضادُ. فينبغي بيان ذلك إبرازاً للمعنى وتحديداً له. وأنا هنا لا أدخل في مسألة إنكار المترادف أو إثباته، ولا في قضية المعنى المركزي والهامشي، والمعنى الجامد وظلال المعنى.

والألفاظ يتطور معناها اتساعاً أو تضييقاً، تعميماً أو تخصيصاً، رفعةً أو انحطاطاً، ويكون لها في كل عصر معنى جديد. وينبغي بيان ذلك حتى نعرف العصر الذي تنتمي إليه الكلمة في نصٍّ ما، ومعناها الدقيقَ الذي اكتسبته في ذلك العصر. ومن مظاهرِ التطورِ في الألفاظ أيضاً:

  • تطورُ الحسّي إلى المعنوي، وعَكْسُ ذلك

  • تطورُ الحقيقي إلى مجازي، وعكسُ ذلك

  • تطورُ الصفة إلى اسم ذات، واسم الذات إلى مصطلح فني.

وهكذا تنشأ معظمُ المصطلحات الفنية في اللغة.

وثمةَ مسألةُ المشترك اللفظي، إذ يكثر أن تشترك لفظة مع ألفاظ أخرى في هيئتها وصورتها تماماً، ويكون لها مع ذلك معانٍ مختلفةٌ. فيجب بيانُ هذا الاشتراك وإبرازُ أمثلةٍ وشواهد عديدةٍ لتحديد المعنى المقصود تحديداً دقيقاً، وبناء حدس صادق لدى الآلة.

ومن أمثلة المشترك اللفظي كلمة (عين) التي لها حوالي عشرة معانٍ:

  • العين الباصرة

  • وعين الماء

  • والذات

  • والنقدِ أو الدينار

  • والوجيه…

ومن أمثلته أيضاً كلمة (دقيق) التي تعني:

  • الطحين

  • أو الموصوف بالدقة

  • أو غيرَ السميك.

ومنه كلمةُ (فصل) التي قد تعني:

  • فصلاً من كتاب أو مسرحية

  • أو فصلاً من فصول السنة أو العام الدراسي

  • أو الطرد من العمل

  • أو صفة بمعنى نهائي: “قولٌ فصل” [3].

ألفاظ المحتوى والألفاظ الوظيفية

وألفاظ المعجم نوعان، ألفاظ المحتوى والألفاظ الوظيفية. وألفاظ المحتوى هي التي تدل على مضمون أو فحوى، وهي قابلة للتغيّر والتطوّر. وتتألف غالباً من أفعال وأسماء. وهي العمود الفقري لأيِّ معجم. والألفاظ الوظيفيةُ هي في معظمها أدواتٌ وحروفٌ وبنى جامدة لا يمكن تحليلها إلى مورفيمي الجذر والصيغة، ووظيفتها إحكامُ الربطِ بينَ عناصرِ الجملةِ وضبطُ المعنى النهائي لها. وكل هذا يجب أن يُبَيَّن في المعجم.

وكلُّ ألفاظ المحتوى عُرْضَةٌ لاحتمالية المعنى، واختلاف الصورة الذهنية للكلمة الواحدة من شخص إلى آخر، ومن بيئة إلى أخرى، ولا يُقَيّد تلك الاحتمالية إلّا أن تكون الكلمةُ مستخدمةً في سياق أو تصبحَ مصطلحا فنياً. ولا يُبْرِزُ المعنى شيءٌ كالاستعمالات السياقية المتعددة. فيجب الإكثار من الاستعمالات السياقية الموثوقة الواقعية، والتلازماتِ اللفظية، وما وردت فيه اللفظةُ من قوالبَ تركيبيةٍ مشهورة، كالأمثالِ والأقوالِ السائرة المأثورة.

وتقسم الأفعالُ المتصرفة إلى علاجيةٍ وهي التي يُسْتَخدمُ فيها عُضوٌ، وغير علاجية وهي أفعالُ قلبيةٌ وذهنيةٌ. وهذا يساير التقسيم إلى أفعالٍ حركية وأفعالٍ ساكنة.

ولا يمكن إغفالُ الإشارة إلى تقسيم الكلماتِ إلى شفّافةٍ وهي التي تدل بلفظها وهيئتها الظاهرة وجَرْسها على المعنى، ومعتمةٍ أي غيرِ شفافةٍ، ولا يُعْرَف معناها إلا بالشرح والتوضيح والسياق.

ومن الألفاظِ الشفافةِ الكلماتُ الصوتية، والصيغُ الصرفية؛ فالصيغةُ الصرفية

تدل على ثلاثة معانٍ:

  1. معنىً معجميٌّ، وهو تقييدُ المعنى الأصلي الذي يفيده الجذر بوجه مخصوص

  2. ومعنىً نحويٌّ، وهو الدلالةُ على قسم الكلمة العام والخاص

  3. ومعنىً ثالثٌ إضافيٌّ يُسْتَشَفُّمن هيئتها؛ فوزن (فعّال) مثلاً يفيد المبالغة، ووزن (أَفعَلَ) يفيد التعدية والصيرورة ووزن (فاعل) يفيد المشاركة، و(فَعَّل) يفيد التكثير.

الجوانب النحوية والصرفية المرتبطة بالمعنى

كما لا يمكن إغفالُ الجوانب النحوية والصرفيةِ المرتبطة بالمعنى؛ ففي تعريف الوحدات المعجمية يشار إلى قسم الكلمة الذي تنتمي إليه المفردة، من حيث كونُها اسماً أو فعلاً أو حرفاً. والاسم كما هو معروف جنس تندرج تحته عشرات الأنواع.

وفي تعريف الاسم، يُذكَرُ إلى جانبِ معناهُ الأصلي قسمُه الخاصّ (نوعُه الصرفي)، وكونُه مذكّراً أو مؤنثّاً، معرفةً أو نكرة، كما يذكر تثنيتُه وجَمْعُهُ ومُصَغَّرُه والنسبةُ إليه، وكونُه مشتقّاً أو جامداً، وإذا كان مشتقاً يُبَيَّنُ أَوَصْفٌ هو أم موصوف؟ والوصف هو المشتق الصالح للوصف (النعت) به، كاسم الفاعل وصيغِ المبالغة واسم المفعول والصفةِ المشبهة واسمِ التفضيل؛ والموصوفُ هو المشتقُّ الذي لا يصلح للوصف به، مثل أسماء الزمان والمكان والهيئة والمرَّة والآلة والمصدر الميمي.

وفي تعريف الفعل يُذْكَر إلى جانب معناه الأصلي وزنُه وزمنُه ماضياً وحاضراً ومستقبلاً، وجهتُه (من حيث تمام الحدث أو غير تمامه)، وكونه متعدياً أو لازماً، مجرداً أو مزيداً، متصرّفاً أو جامداً، مبنياً للمعلوم أو مبنياً للمجهول.

وفي تعريف الحرف لا بد من ذكر وظيفته وخصائصه التوزيعية والموقعية بالنسبة إلى الاسم والفعل. ومعلوم أن الوظيفة النحوية للكلمة تحدّد توزيعها النحوي في الجملة، فالاسم يكون مسنداً ومسنداً إليه، ومضافاً ومضافاً إليه، والفعلُ لا يكون مسنداً إليه بل مسنداً، ولا يكون مضافاً إليه بل مضافاً، والحرفُ لا يكون شيئاً من هذا، بل يضبط علاقة الفعل بالاسم.

وكثير من عناصر التعريف مثل النوعِ (التذكير والتأنيث)، والعددِ (الإفراد والتثنية والجمع)، والزمنِ (ماضٍ وحاضر ومستقبل)، والجهةِ (مُنْجَز أو غير منجز)، والشخصِ (كون الضمير للمتكلم أو المخاطب أو الغائب)، والتعريف والتنكير. والحالةِ الإعرابية – تُعَدُّ فصائل صرفية نحوية، لأنها دوالُّ صرفية لوظائف نحوية؛ وهذه الفصائل لها صلة قوية بما يُسَمَّى المطابقة النحويةَ ذاتَ الأثرِ الكبير في تكوين معنى الجملة.

الخاتمة

وأختم بتحليل كلمة مُدَرِّس إلى مكوناتها الدلالية الأساسية، محاولا أن أجمع في هذا التحليل بعض السمات الخارجية والسمات اللغوية الداخلية:

+ اسم + اسم فاعل (يقوم بالتدريس وهذا الوزن شفّاف) + مُتَعَدِّ (لأنه من فعل متعدِّ: دَرَّس)، + مذكّر + حيّ + إنسان + عاقل + راشد.

ولا بد من الإقرار بصعوبة هذه الطريقة إذا أريد بها تحليل معنى كل لفظة في اللغة إلى مكوناتها الأساسية، ولا سيما ألفاظ المحتوى التي ليس لها صورة ذهنية تقابل شيئاً ملموساً، مثل ألفاظ المعاني المجردة كالحب والكره والحقد، والألفاظ الوظيفية، مثل: إن وإذا وحيث، وما إلى ذلك.

*نشرت النسخة الاولى من هذه المقالة في: “الموسم الثقافي التاسع والثلاثون لمجمع اللغة العربية الأردني”، منشورات مجمع اللغة العربية الأردني، 2022م.

هوامش المقالة 

[1] يمكن مدّ ذلك إلى عشرات الثنائيات المتصلة بالإنسان مثل رجل وامرأة، ولد وبنت، راشد وغير راشد…

[2] أو: توزيعي وغير توزيعي. والتوزيعي له أفراد مستقلة. وغير التوزيعي ليس له أفراد مستقلة، لأنه كتلة (mass).

[3] وقريب من هذا تقارض الصيغ الصرفية فيما بينها، فقد تدل الصيغة الواحدة على غيرها من الصيغ؛ فصيغة فعيل مثلاً قد تدل على مفعول وفاعل…، وصيغة فاعل قد تكون بمعنى مفعول… وهكذا.

الكلمات المفتاحية: الترجمة الآلية، المعجم التقليدي، المعجم الجديد، المشترك اللفظي، السليقة اللغوية، الذكاء الاصطناعي، ترتيب الجملة، اللغة الحاسوبية

← العودة إلى جميع المقالات