مشكلات الصرف العربي والحاسوب
في هذا العصر عصر المعلوماتية والمعالجة الحاسوبية للغات، يجب أن يعاد النظر في الوصف التقليدي للغات بكل مقوماتها من صرف ونحو وأصوات ومعجم، وجَعْل ذلك كله قابلاً للتحليل الآلي. ولا يتم ذلك إلا بالتعاون البنّاء بين علماء اللغة وعلماء الحاسوب.
ومن المجالات التي يجب أن يعاد النظر فيها – بطريقة غير تقليدية – وتمثيلها لذاكرة الحاسوب الصرفُ العربيُّ بما ينطوي عليه من مشكلات.
وأنا لست من الفنيين المتخصصين في مجال الحاسوب، ولكنني أعرض هنا مجموعة من الأفكار والتأملات لعل العاملين في ذلك الحقل والمبرمجين المهتمين بتحليل اللغة العربية آليّاً يفيدون بها. وأول ما يتبادر إلى الذهن في هذا الشأن مسألة الاشتقاق، فهي من أبرز قضايا الصرف العربي لأن لغتنا كما هو معروف هي لغة اشتقاقية. والمقصود بالاشتقاق، بكل بساطة. هو التوليد توليد الفاظ جديدة لمعان جديدة. وعلينا هنا أن نوسع في مفهوم الاشتقاق لكي يشمل معظم العمليات الصرفية في اللغة العربية وألا نقتصر على المفهوم القديم وعلينا أن نتجاوز البحث في أنواع الاشتقاق التاريخية مثل الاشتقاق الكبير والاشتقاق الأكبر والكُبّار وما إلى ذلك، فربما كانت هذه الالوان من الاشتقاق منتجة في الماضي، ولكنها ليست كذلك الآن، وعلينا أيضا أن نتجاوز الحديث عن أصل الاشتقاق الصغير وهو الاشتقاق الصرفي المعروف، أهو الفعل أم المصدر أم شيء غيرهما، فهذا بحث غير ذي فائدة عملية ويندرج في ميتافيزيقيا اللغة ويحسُنُ أن نهجرَه وأن نؤكّد بدلاً منه آليّة الاشتقاق نفسها.
رؤية في أنواع الاشتقاق في العربية
وعلى هذا، أنا أرى أن الاشتقاق في العربية ثلاثة أنواع: اشتقاق بالصيغة، واشتقاق باللاحقة واشتقاق بالنقلات الصرفية.
أما الأول فيقوم على توليد الصيغة أو الوزن من جذر معين، والجذر هو هيكل صامتي أي مجموعة من الحروف الصوامت وأشباهها تتكرر في كل أفراد العائلة الاشتقاقية الواحدة بترتيب واحد لا يتغير، وعددها بين ثلاثة وخمسة، والأكثر أن تكون ثلاثة أحرف وهي تحمل المعنى المعجمي العام الذي يشترك فيه كل أفراد العائلة الاشتقاقية الواحدة.
والوزن هو امتداد من خانات محددة لحروف الجذر ولتشكيلات الحركات (أي أنماط التتابع الحركي، أو توزيع الحركات والسكنات) بترتيب مُحدد ثابت، ولحروف الزيادة (إن وجدت). ويدل الوزن على معنى معجمي خاص مستفاد من المعنى المعجمي العام الذي يفيده الجذر (أي إنه يقيد المعنى المعجمي العام الذي يفيده الجذر، بوجه مخصوص) كما يدل على معنى نحوي يتمثل في قسم الكلام الرئيسي أو الفرعي، فلكل من الأسماء والأفعال وأقسامهما – كما هو معلوم – أوزان خاصة.
ويدل الوزن كذلك على معنى يستقل به كالمبالغة أو الفاعلية أو المفعولية مثلاً. فالوزن من العناصر اللغوية الشفافة التي تدل هيئتها على معنى مستشف منها. ونحصل بهذه الطريقة – أي صب مادة الجذر في قوالب الأوزان- على صيغ الفعل المزيدة، واسم الفاعل واسم المفعول وصيغ المبالغة والصفة المشبهة واسم التفضيل والمصدر الميمي واسمي الزمان والمكان واسم الآلة واسمي المرة والهيئة والمصادر.
وإذا كنا نشهد فراغات في جداول الاشتقاق الواقعية في هذه الموضوعات في العربية، فإن هذه الطريقة الآلية، شأن كل عملية رياضية صماء، لن تترك فراغاً واحداً، فتبرز لذلك قضية المهمل والمستعمل، وعلى الحاسوب أن يبين المستعمل وينبّه على المهمل الذي قد نحتاج إليه في يوم من الأيام. وهذا يذكرنا بعمل الخليل بن أحمد في معجم العين.
والصيغ الناتجة بهذه الطريقة تظهر أساساً في نموذجها التحتي القياسي دون تغيير أو تبديل ثم تُجرى عليها التغييرات الصوتية المعهودة من إعلال وإبدال وإدغام لكي تصبح على صورها السطحية المستعملة فعلاً، وأكثر ما يجري هذا في الجذور المعتلة والمهموزة والمضعفة. ولذلك يجب صَوْغ القواعد والقوانين الصوتية المسؤولة عن هذا التغيير، وتحديد عملها، وترتيبها في العمل إذا تطلب الأمر ذلك. فبعض التغيراتِ الناتجة عن إعمال قاعدة ما قد تخلق البيئة الصوتية المناسبة لإطلاق قاعدة أخرى، وهكذا دواليك.
وهذه الطريقة تعيننا على ملء الجداول التصريفية لكثير من المواد اللغوية واستكمال ما نقص منها، وتكوين عائلات اشتقاقية لكثير من الكلمات العربية الجامدة وللكلمات الأجنبية كذلك، وما علينا إلا انتزاع عددٍ من الصوامت البارزة في تلك الكلمات مراعى فيها ترتيبها الأصلي، ثم صَبُّ مادةِ الجذر هذه في قالَب أو صيغة مناسبة للمعنى الذي نريد التعبير عنه . وهذا أمر اهتدى إليه المتقدمون قبلنا وطبقوه عملياً، فأنتجوا لنا مئاتِ الأفعال أمثال : سَرْبَلَ من السِّرْبال، وجورب من الجَوْرَب، وعَقْرَبَ الصُّدْعَ من العقرب، وفَلْفَلَ الطعام من الفلفل، ونَرْجَسَ الدواء من النَّرْجس، وقَلْنَسَهُ من القلنسوة، وتَرَّجَل من الرِّجْل، واسترجلت المرأة من الرّجُل، وفَضَّضَ السيف من الفضة، وأَوْرَقَ الشجرُ من الورق، وأَسْبَل الزرع من السنبلة، واشتقوا كذلك أسماء الفاعلين والمفعولين والمصادر المناسبة لتلك الأفعال، فصار لها عائلات اشتقاقية موسّعة.
أما النوع الثاني فهو اشتقاق بإضافة اللواحق، وهي زوائد طرفية لا تؤثر غالباً في بنية ما ألحقت به. وتسمى لهذا زوائد إعرابية مقابل الزوائد الاشتقاقية التي توجد في النوع السابق من الاشتقاق؛ فتلك الزوائد جزء لا يتجزأ من الصيغة إذا حُذِفَت اضمحلت الكلمة وضاعت هويتها. وينتج بهذه الطريقة التأنيث بإضافة التاء، والتثنية وجمع المذكر السالم، وجمع المؤنث السالم، والنسبة والمصدر الصناعي، والمبالغة (نابغ – نابغة) وزيادة المبالغة ) (علّام – علَّامة) وبعض أنواع الجموع القديمة (صنو – صنوان، قنو – قنوان، سابل – سابلة، سيار – سيارة، راجل – راجلة)، اسم المرة من مصدر غير الثلاثي ( انطلاق – انطلاقة)، والمفرد من اسم الجنس الجمعي (نمل – نملة). وفي كل ما سبق يُعَدُّ ذو اللاحقة فرعاً على الأصل وهو الاسم قبل دخول اللاحقة عليه.
أما النوع الثالث فهو نقلات صرفية وفيها تنتقل الكلمة من وزن هو أصل إلى وزن آخر هو فرع، في إطار تقابلات في فصائل نحوية محددة، وإن كان ثمة تطابق تام بين حروف الجذر في الحالتين. ولكن هذا النوع من الاشتقاق يختلف عن النوع الأول في أن الانتقال فيه لا يتم من الجذر إلى الوزن بل يكون الانتقال فيه من وزن إلى آخر. ومن أمثلته في العربية تحول المفرد إلى جمع تكسير، وغير المُصغَّر إلى مُصغَّر، والماضي إلى مضارع وأمر ، والمذكر على وزن فَعْلان إلى مؤنثه فعلى، والمذكّر على وزن أَفْعَل إلى مؤنثه فَعْلاء، واسم التفضيل المذكر أَفْعَل إلى مُؤنَّثه فُعْلَى، والمبني للمعلوم إلى مبني للمجهول.
ولا يمكن الحديث هنا عن قوانين صوتية محددة تحول المفرد مثلاً إلى جمع تكسير ولا المذكر إلى مؤنث ولا غير المصغر إلى مصغر ولا الماضي إلى مضارع أو أمر، بل يمكن الحديث عن ارتباطات معينة بين أوزان معينة تجعل العلاقة بينها علاقة المذكر بمؤنثه والمفرد بجمعه والماضي بقسيميه المضارع والأمر.
إن التغيرات اللفظية الملحوظة هنا بين وزن وآخر ليست نتيجة قوانين صوتية كالتي تحول البنية العميقة في الاشتقاق الأول إلى بنية ظاهرة مستعملة مثل تحويل (قول) إلى (قال)، و(بَيَعَ) إلى (باع) ، و(مَعْوُنَة) إلى (مَعُونة) وهكذا، بل هي نتيجة ارتباطات معينة تربط ما بين صيغة وأخرى ربطاً بين متقابلين في فصيلة نحوية واحدة؛ كالعدد والجنس والزمن أو الجهة وغيرها. فتحويل (قَولَ) مثلاً إلى (قال) لا يخرجها عن أصل نوعها وهو الماضي، لكن تحويل (قال) إلى (يقول) و(قُلْ) هنا يخرجها من المُضِيّ إلى صورتين أخريين تحملان بذور زمنين مختلفين.
ومن المشكلات التي يجب التنبه إليها في معالجة اللغة آلياً مشكلة الحياد الصريفي، فإن العمليات الصرفية قد تنتج بنى مشتركة ملبسة. ويظهر هذا جلياً في الإسناد والتصغير والنسبة والمصادر وجموع التكسير. ومن أمثلة ذلك في الإسناد : (هُنَّ) تجاوَرْنَ ، وتجاورنَ (أنتن) وتصالحا (انتما) وهما تصالحا، وأنتِ تَسْعَيْنَ وأنتن تَسْعَيْنَ، وأنتم تَرْجُون وأنتن تَرْجُونَ، وأَرَى في المضارع وأرى في الماضي. ويمكن أن يُتَغَلُّب على هذه المشكلة بإيراد الضمير في حالة الإسناد، وذكر بعض القرائن التي تطرد اللبس في الحالات الأخرى، كذكر الفعل بإزاء مصدره، والمفرد بإزاء جمعه، وذكر الاسم ومُصَغره، والمنسوب إليه والنسبة معاً.
وقريب من هذا الاشتراك في الأوزان وهو عدم اقتصار الصيغ على معنى واحد، وقابليتها للدلالة بصورتها على غير قسم صرفي، مثل صيغة (فَعِيل) التي تأتي مصدراً وصفة مشبهة وصيغة مبالغة، وبمعنى فاعل ومفعول ومُفاعِل ومُفْعَل ومُفْعِل، ومجيء صيغة (فاعل) بمعنى مَفْعُول، و(فَعُول) بمعنى فاعِل وبمعنى مفعول ومجيء (مَفْعَل) اسم زمان واسم مكان ومصدراً ميمياً، ومجيء (مِفْعَل) اسم آلة وصيغة مبالغة، ومجيء فاعِلْ صِفة مشبهة واسم فاعل، ومجيء (فُعال وفَعِل) صفة مشبهة وصيغة مبالغة، ودلالة اسم المفعول من غير الثلاثي بهيئته على اسم المفعول واسم الزمان واسم المكان والمصدر الميمي.
وهنا يجب ذكر سياق ما ولو كان مختصراً، أو الإتيان بضميمة ما، كقولنا مثلاً: (سر كاتم) بدلاً من ( كاتم) وحدها للدلالة على أن معناه هنا (مكتوم) ، فليس صحيحاً أن (كاتم) تدل على (مكتوم) في كل الأحوال.
ومن المشكلات الأخرى كثرة الاستثناءات على القاعدة؛ فمن ذلك أنّ التاء تدخُل للتفريق بين المذكر والمؤنث في الصفات المشتقة المشتركة، ولكن يستثنى من ذلك عدة أوزان لا تدخلها التاء للفرق بين المذكر والمؤنث فيستوي فيها الأمران. فلا بُدّ من احتياط ما للنص على مثل هذه الاستثناءات، ويراعى في ذلك أن لا تفقد القاعدة بساطتها ورشاقتها بل يمكن تزويد ذاكرة الحاسوب بقوائم مفصلة لمثل هذه الاستثناءات.
ومن المشكلات التي يجب التصدي لها مشكلة الشواذ، وهي كثيرة في الصرف العربي تقابلنا في جموع التكسير ومصادر الثلاثي والنسبة والتصغير واسمي الزمان والمكان والمصدر الميمي وفي كل المشتقات الأخرى تقريباً. وأفضل وسيلة لحل هذه المشكلة هي تزويد ذاكرة الحاسوب بقوائم مفصلة تشتمل على تلك الشواذ. ويجب تزويد المعجمات أيضاً بمثل هذه القوائم، فإن المعجم الحديث يجب أن يحتوي على معلومات صرفية وافية، ويكون رديفاً حقيقياً للصرف. وأخيراً يجب التنبّه إلى أنّ اعتبارات معنوية ونحوية يجب أن تراعى في صوغ القواعد الصرفية وإنتاج ألوان المشتقات وفي العمليات الصرفية عموماً. من ذلك أنّ أفعال السجايا والأفعال غير الحركية لا تأخذ اسم فاعل حقيقياً على صيغة فاعِل بل تأخذ صفات مشبهة تدل على الثبوت والاستمرار، وأن التصغير لا يجري على كل شيء فصفات الله الحسنى وصيغ المبالغة لا تخضع للتصغير، وأن الأمر لا يصح من بعض أفعال المطاوعة، وأن المصدر الدال على تقلب واضطراب يأتي على وزن فَعَلان وأن (فَعِل) و(فَعِيل) إذا أخذا مفعولًا فهما صيغتا مبالغة وإلّا فهما صفتان مشبّهتان، وغير ذلك كثير.